بيننا ما بين السين والشين من قرابة، وما بين الفاصلة والنقطة من حيرة، الجميع يعرفنا، اثنان لا ثالث لهما، نعرف بعضنا منذ الصبا، وصار يُضرب بنا المثل في الوفاء والصداقة، مرّ الوقت علينا سريعا، و تعتقنا في الأربعين حتى صرنا أشبه بآثات المقاهي القديمة التي يُحتفظ بها بدافع النوستالجيا لا بدافع الرونق، صلبين كنا من الخارج، ومنخورين بذاكرة النمل من الداخل.
مقهى "اللوتس" محطتنا، صباحا ومساء، نجلس بارتخاء ولا مبالاة لنفكك العالم البائس، نناقش ما آل إليه الأدب ونلتهم الأيديولوجيات السياسية بشراسة من لا يعترف بغيرها، لكن رغم كل هذه المحاذاة بيننا، لطالما خجلت من أن أسأله عن سبب عزوبيته لحد الساعة، فلم يسبق لنا أن غصنا في تفاصيل هذا الموضوع.
أنا كانت قصتي مشهورة لحد ما، بين الصغار والكبار، وتستحضرها الأمهات في الحي، حين يرغبن في تعجيل زواج أبنائهن، جرحي معلق كتميمة في عنقي، أودعت قلبي في حقيبة جلدية فرّت إلى باريس، مع ذلك الأشهب الممسوخ، فرونسوا، لكن لا لوم عليها، -بشهادة الجميع- فقد كنت حينها غارقا في شعاب أطروحة الدكتوراه ، أبحث عن الحقيقة الغائبة في كتب التاريخ، بينما كانت هي تبحث عن الحياة في رجل يتقن الاهتمام بها أكثر مما يتفنن فيه داخل هوامش الصفحات.... فأقسمتُ يومها ألا تحط قدماي مجددا في "سوق النسا"
في مقهى اللوتس ذات صباح الأحد، والأحد في عُرفنا يوم للفضفضة، يوم مطاطي، صفحة بيضاء، يمنحك شعورا بأن الوقت فائض عن الحاجة، ويغريك بالنبش في الجراح القديمة، نظرتُ إليه، بينما كان يقلب الجريدة ببروده المعتاد، لملمتُ شظايا شجاعتي، الشجاعة التي بعثرتها السنون، وقلت بصوت متردد:
ـ "لقد عبرنا الأربعين معا، اقتسمنا كل ما يُقتسم وحتى ما لا يقتسم، ألا يستحق هذا العمر أن أعرف لماذا اخترت هذه الوحدة ؟ لماذا لم تفتح بابك لامرأة قط؟
شعرت بعد السؤال بتوقف الزمن في المقهى، و بدا لي الذباب المزعج يكفّ عن الطنين، ويحدق بي فاركا أطرافه، كأنه "حْشم بلاصتي" كنت أنتظرته أن ينفجر، أن يبكي، أن يحكي عن 'ليلاه" أو عن خيبة ما تشبه خيبتي.
لكنه لم يرفع عينه عن الجريدة، ظل يمعن النظر في العمود المكتوب يمينا، كأنه إذا أنهى قراءته سيخلّف أبناء يشبهونه،... وببرود يضاهي برود الثلج، قلّب أوراق الجريدة ببطء، وقال دون أن يلتفت إليّ:
ـ " أ تظن أن حزب" العصى فالرويضة" قادر على إزاحة حزب"الفانوس " وترأس هذه النسخة؟ مُحال، ذاك الأعوج يعرف ما يفعل.
أجبته بابتسامة بلهاء: لا أظن، فهذه المرة أكيد سيترأس حزب "إنا لله وإن إليه راجعون"
