الأحد 7 أبريل 2024
إلى الكاتبة التونسية الصديقة فتحية دبش وإلى دفتر سفرها إلى فلسطين
كان الوقت فجرا تماما، من الخارج أسمع أصوات مآذن مديونة وضواحيها تنادي لصلاة الصبح من اليوم السابع والعشرون من رمضان 1445 بتاريخ المغرب، وجنبي مبخرة العود الأصيل يصعد منها بخور فواح تلقيته هبة من تلميذة زارت الحجاز فأتتني به هدية... ماذا يمكن أن يكتب المرء في لحظة كهذه وهو ما يزال مقيما بين ثنايا نص لا كالنصوص وعلى شرفات حرف يسبيه سبيا؟ ماذا يمكن أن نخط في حالة كهذه يا فتحية؟
فتحت الملف الذي أرسلت إليّ، بانت الصفحة الأولى فطالعني التالي: "فتحية دبش... أكثر من ذاكرة... دفتر سفر"
وأنا المهووس بالسفر، الأحمق الذي يقيم في اللامكان، العاشق لتحولات الفضاء، أنا الذي قضيت يومي كاملا أرتب لسفر سيأخذني لقضاء عيد الفطر بمدينة أرفود في منطقة ضاربة في العراقة اسمها "سجلماسة" مصحوبا بالصديق المهندس والنحات عبد الرزاق الشرّاد. ولكن إلى أي وجهة سيولي هذا الدفتر وجهه؟ وإلى أين يمكن أن يسافر المسافر؟ إلى أي وجهة ستأخذني حروفك وأنا المولع برحلات الكتاب البوهيميين؟ هل ستكونين في هذا السفر صحفية تنقل لنا شهادة عن المكان والزمان والأحداث والشخوص والتفاصيل مثلما فعل خوان غويتيسولو في "دفتر سراييفو" ذات سفر محموم إلى البوسنة؟ هل ستنقلين لنا فظاعات وهمجية بشرية تثبت أن عالم الغاب بريء من عالم الإنسان؟ هل ينوي هذا الدفتر الذي يجتذبني إليه ابتلاعي واختطافي لأقيم فيه للأبد؟ أخاف من حروف آسرة كالتي تجري بين أناملك صديقتي، فالقراءة لك مغامرة غير محسوبة العواقب، وأخاف أكثر من عمق معانيك وشفافية مشاعرك وقدرتك الجبارة على الإقناع والإخضاع بالتبعية، أما أنا فبفعل ما لا يتسع له المجال هنا غدوت هشا وواهنا...
وفي بواكير ما كتبت في دفترك هذا وقبل أن أبحر في الأعماق وأكتشف الأغوار تذكرت ما افتتحت به الإيطالية العظيمة ماتيلدة سيراو دفترها الخالد الذي وثق زيارتها إلى فلسطين رفقة الحجاج المسيحيين سنة 1924 والذي وسمته ب "في بلدة المسيح... ذكريات سفر إلى فلسطين". أليس سفرك هذا أو زيارتك هاته كما فضل البعض تسميتها حجا إلى سرة العالم كما أسميتها، فلسطين موطن الجبابرة...
كلاكما افتتح دفتره بقلق البدايات والخوف من القادم المجهول، أما الإبحار فواحد سواء بحرا كما فعلت هي أو جوا كما فعلت أنت. فتحية الكاتبة التي تحول كل شيء إلى نص، وعلى غرار ما قال لي العزيز ادريس كسرى ذات لقاء أثيري شهي، لا وقت لها للكتابة، فكل الأوقات أوقاتها وكل يومياتها منجزات أدبية، لأنها تعيشها بقريحة إنسان قرر أن يجود بكل ما لديه إلى الذي يعني له كل شيء؛ الإنسان. ولأن الإنسان يخاف من الفشل فقد كنت خائفة من أن تفشل الكتابة عن فلسطين، قبلة الأحرار وموئل الأخيار، وأنت كما أنت لم تخدعيني فيك ولا خدعت نفسك، تلك المرأة التي لا يفارقها السؤال كما لا تفارقها الهواجس... ولا ملومة في ذلك فكل الرحلات حمالة لأسئلة المتوقع واللامتوقع وسعي الوعي للإحاطة بما هو آت من حيث لا يسعفه الآن. فكيف إذا كانت هذه الرحلة إلى فلسطين، إلى كل ذلك الصخب والجدل والسجالات التي لا تنتهي، حيث الأفكار تعيش جنبا إلى جنب مع نقائضها، حيث الخير يبيت في حجر الشر، حيث أشجار الزيتون والتاريخ يقتلعها العنف الغاشم والهمجية البغيّة الباغية، حيث الشيطان يرجم الملائكة...
أما بعض مثقفينا فظواهر صوتية، نضالات فايسبوكية حامية الوطيس وعنتريات من لا يملكون غير الكلام والكلام والكلام... مثلما فعل أربابهم من القوميين الذين صدعوا رؤوسنا بالشعارات وبعدها تحولوا إلى أكبر استبداديين أبناء "ستين كلب" على حد تعبير المصريين. فتونس بالنسبة إليهم تنقسم إلى قسمين، تونس المثقفة الداخل الممانعة، أي تونس هم، وتونس المثقفة الخارج المطبعة، أي كل مثقفي الخارج ممن قطعوا البحار وتنفسوا هواء الحرية ويا ويلهم إن كانوا قد خانوا فلسطين وفازوا بجائزة عالمية أو عربية في الكتابة! ولأنك متنوعة الهوية وغير متخندقة فلا غرابة أن تكوني هدفا ممتازا لمدافعهم، لترهاتهم ودوغمائيتهم.
وصف الفيلسوف والمفكر الإيطالي ألفريدو بانزيني في رائعته "زانتيب" التي ترجمتها إلى العربية بلاد اليونان القديمة بأنها "سرة العالم"، وأنت وصفت فلسطين بكونها أيضا سرة العالم، نقطة الالتقاء والتلاقي والبدايات، وقد وجدت فيما قال عن تلك البلاد ما يستحق أن يكتب على فلسطين: ففي العصور الغابرة، عندما كان الناس مشغولين جدا باستعمار العالم، كان هناك أشبه بمجموعة صغيرة من الناس الذين قدموا إلى أرض فسيحة، كانت أرضا مطرزة بالبحار، وتبدو كسرة العالم، كان الفصل ربيعا، وكان البحر ينشر نسماته في كل مكان.
هؤلاء الناس مكثوا...
اكتشفوا من هنالك مسارات النجوم، رأوا طرقات البحر، ثم اكتشفوا طرق أرواحهم، اجتاحهم سمو مقدس، لقد أبدعوا ملاحم متعددة الأشكال، والتي ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا كنماذج لم يسبق لها مثيل في الجمال.
هذه الأرض الفسيحة كانت أرض كنعان، ذلك الشعب العريق كان الشعب الفلسطيني. الحياة التي يعيشها تسمى "الكرامة".
صديقة الكرامة فتحية دبش
كم كانت رغبتك جامحة مقابل كل المخاوف والمعوقات الجسدية والأسرية والأيديولوجية... وهذه أنت فتحية دبش، خلف كل مخاوفك وشخصيتك المترددة أحيانا هنالك طاقة جبارة مستعدة لاكتساح الخطوط الحمراء بكل جسارة، خلف تلك المرأة الهادئة والتي هذبتها الثقافة الكبيرة التي راكمتها هنالك مغامرة قوية لا تخشى أحدا بل تتلذذ برد الصاع صاعين لمن حاول الاستهانة بها... هنالك امرأة تخوض عباب الحياة بكل أشكال الأحقية في الوجود والتعبير والبوح وانتزاع الاعتراف بها كذات حرة وواعية تعيش من أجل نفسها لا على عتبات الآخرين تتسول دعوة من هنا أو هناك أو ورقة نقدية وردية تافهة... هذه هي فتحية فكر وقلب وحرف وموقف...
إلى رسالة قادمة أستكمل فيها تفاصيل ما قرأت في منجزك العظيم الذي يسجل الأفكار والقضايا جنبا إلى جنب مع التفاصيل البسيطة...
ها فضل الرسائل علينا يلوح بشكل جديد، يحتضن السير وحتى القراءات النقدية العاشقة للنصوص، بل وحتى بياضات النصوص، ولذلك فقد انطلقت مما توقف عنده قلمك في كثير من المواضع، ولأني أعلم أن قلمينا خليلان فإن قلمي سيكتب حين يتوقف قلمك، ولساني سينطق كلما أومأت بالكلام ومضيت، وهو شرف لو تعلمين عظيم.
مودتي
