في مِحرابِ هارموني الحروف، نسعدُ اليومَ باستضافةِ المبدعِ القاصّ بدر أسوكا. هو الكاتبُ الذي استنطقَ بياضَ الورقِ بسيرة الغرق، فكانَ لهُ من اسمهِ نصيبٌ من الضياءِ والتجلي في سماءِ جائزة الشارقة للإبداع العربي.
إننا نفتحُ هذه النوافذَ الحواريةَ لننصتَ لزفراتِ النصِّ، ونسبرَ أغوارَ التناغمِ الكامنِ في سرديةٍ مغربيةٍ رصينة، استطاعتْ أن تجعلَ من القصِّ معزوفةً كونيةً تتجاوزُ حدودَ المكانِ لتلامسَ جوهرَ الإنسان.
بداية، نبارك لك الفوز بجائزة الشارقة للإبداع العربي عن مجموعتك سيرة الغرق؛ كيف يتردد صدى هذا الاستحقاق في وجدانك الإبداعي؟ هل تعتبر الجائزة مفتاح صول يضبط إيقاع انطلاقتك في المشهد السردي العربي؟
أوَّلًا قبل كلِّ شيء أودُّ أن أتقدَّم بشُكري الجزيل لمجلة هارموني الحروف، ومن خلالها للصديق نزار لعرج على احتفائهم بمشروعي السَّردي.
أمّا بخصوص فوز كتابي القصصي «سيرة الغرق» بجائزة الشارقة، فإنَّه لم يأتِ بوصفه لحظةَ تتويجٍ بقدر ما جاء كاختبارٍ قاسٍ لما كتبته. صحيحٌ أنَّ هذا النَّوع من الجوائز المرموقة بمثابة اعترافٍ بجدارة أيِّ مشروعٍ أدبي، وخارطةِ طريقٍ لأيِّ كاتبٍ يحاول شقَّ طريقه في هذه الدَّرب الوعرة، إلّا أنَّها لا تمنح شعورَ الاطمئنان كما كنتُ أظنُّ من قبل، بل إنَّها زادت منسوب القلق الخلّاق لديّ. ذلك القلق الذي يطالبني بصرامةٍ أكبر مع نصوصي، بحفرٍ أعمق في دواخلي وبحثٍ مُضنٍ عن جزرٍ لم يرسُ أحدٌ على يابستها من قبل.
يحمل عنوان "سيرة الغرق" دلالة عميقة على الحركة العمودية (النزول/العمق)؛ هل الغرق في نصوصك هو حالة من النشاز الوجودي، أم هو استسلام لإيقاع لغوي يبتلع القارئ في لُجّة المعنى؟
الغرق في نصوصي ليس استسلامًا، ولا حالةَ نشوزٍ عابرة. بل هو خيارٌ معرفيّ، نزولٌ واعٍ نحو القَعْر، نمطٌ يطبع الوضع البشري في حالاتٍ وجوديّةٍ ثلاث: «الغرق في الجسد»، «الغرق في الذاكرة»، ثم «الغرق في الغياب». والغرق هنا ليس نهايةً، بل طريقةٌ في الرؤية: أن ترى العالم من تحت سطحه، أن ترى العالم وأنت مختنقٌ به!
أمّا اللُّغة، فهي لا تبتلع القارئ عندي، فأنا لا أكتب بغرض إبهار المتلقّي ببديع الجُمَل ومسبوك الكلام، بقدر ما أحاول أن أُقحِمه، شيئًا فشيئًا، في حالة فقدان توازنٍ كُلّيّ، تجعله شريكي في كتابة تاريخ الغرق!
في عالمِ الهارموني، نؤمنُ بتعددِ الأصواتِ (Polyphony)؛ كيف اشتغلتَ على ضبطِ الطبقاتِ الصوتيةِ لأبطالك، بحيثُ لا يطغى صوتُ الساردِ على نبرةِ الشخصية، فجاءَ النصُّ متناغماً لا نشازَ فيه؟
كنتُ حذرًا من السارد العارف، لأنَّه لن يخدم المشروع الذي اشتغلتُ عليه في الكتاب القصصي. حاولتُ أن أجعل ساردي مُخاتِلًا، يوهمك بالمعرفة لكنَّه ليس أقلَّ جهلًا من شخصيّاته، هشًّا مثلها، مضطربًا مثلها، وغارقًا هو الآخر! هكذا، حتّى حين لا يكون الساردُ شخصيّةً من شخصيّات النَّص، تكون روحه المتوتِّرة حاضرة.
وفعلتُ نفس الأمر مع تعدُّديّة الأصوات أو البوليفونيّة، حاولتُ أن أُبرِز «سيرة الغرق» عبر محطّاتها الثلاث (الجسد، الذاكرة، الغياب)، بأصواتٍ متعدِّدةٍ ومتنافرةٍ أحيانًا، سواء في القصّة الواحدة أو بين القصص كبنيةٍ واحدة. فقصة «اليد التي تحوَّلت إلى فراشات» تُظهِر صوتين متنافرين في البداية: صوت الأستاذ المثقَّف ذي التاريخ المأساوي، وصوت الرجل العجوز الذي يعيش أزمةً حادّة، ويتحوَّل الصوتان إلى صوتٍ واحدٍ مع نهاية القصّة.
وفي قصّة «فم الضفدعة» نجد أصواتًا عديدةً من أزمنةٍ مختلفة، وقصّة «الزائرتان» تتباين فيها أصوات الجدّة، والمرأتين القرويّتين، والحفيد الذي تتغيَّر نبرته بين بداية النَّص ونهايته. ناهيك عن الأصوات الخارجيّة التي تتصدَّر قصصي، فالاقتباسات التي تسبق كلَّ نصٍّ من نصوصي على حدة لم تكن زخرفةً زائدةً عن الحاجة، بل هي بمثابة ديباجة، مفتاحٍ دلاليٍّ يضع النَّص على سكَّته المناسبة.
على العموم، يمكنني القول إنَّ تعدُّديّة الأصوات في نصوصي واختلاف زوايا السَّرد تُشكِّل نسيجًا متناغمًا يصبُّ في خدمة رؤيتي في هذا المشروع.
يلحظُ القارئُ تصاعدا دراميا في قصصك؛ هل تعتمدُ هندسةَ التصاعدِ التدريجيِّ وصولا إلى ذروةِ الانفجار، أم تفضلُ الإيقاعَ الدائريَّ الذي ينتهي من حيثُ بدأ؟
في الحقيقة أعتمدُ أنماطًا مختلفةً في بناء لحظة تأجُّج المحكيّ في نصوصي، وربّما هذا ما يُشكِّل اتّجاهي في الكتابة الذي نهل من مناهل مختلفة. فحين أعتمد تصاعدًا خطّيًّا، تكون البداية هادئةً، رومانسيّةً مثقلةً بالوصف، وكأنّني أقوم بتنويم المتلقّي مغناطيسيًّا، وهنا تأتي الضربة، يأتي الغرق دفعةً واحدة.
وحين أعتمد بنيةً دائريّةً، يكون التَّصاعُد غالبًا خادعًا. يبدو النَّص وكأنَّه متّجهٌ نحو ذروةٍ واضحة، لكنَّه في العمق يدور حول جرحٍ أوّليٍّ لا يلتئم، وما أن يوشك على الاندِمال حتّى ينفتح مرّةً أخرى. مثل قصّة «مكالمة هاتفيّة من ميت» التي تبدأ بمكالمةٍ هاتفيّةٍ غريبة وتنتهي بها، أو قصّة «الساعة الثانية بعد منتصف الليل» التي تنتهي بنفس ما بدأت به، مع تغييرٍ بسيطٍ جدًّا.
أنتَ ابنُ بيئة مغربية زاخمة بالإيقاعاتِ (أندلسي، أمازيغي، عربي، كناوي)؛ إلى أيِّ مدى تسللتْ هذهِ الجيناتُ الصوتية إلى بنيةِ جملتكَ السردية، لتمنحها طابعا موسيقيا فريدا؟
سؤالٌ ذكيٌّ للغاية يلمس جوهر الشِّعريّة. لقد اشتغلتُ على ضبط طول الجُمَل والفقرات وتدفُّق إيقاعات نصوصي بشكلٍ غير واعٍ، باعتماد الإيقاعات الموسيقيّة المغربيّة، خصوصًا أنَّ عدّة نصوصٍ تدور تيمتها الأساسيّة حول الموسيقى. فعلاقتي بالموسيقى – كتابةً واستماعًا – علاقةٌ روحيّةٌ محضة.
هكذا يمكنني القول إنَّ أثر الموسيقى واضحٌ في كتاباتي. فهناك أثرٌ شفّافٌ للطرب الأندلسي نجده في الحسّيّة الكبيرة في بعض الفقرات، ناهيك عن السَّجع الخفيف الذي يظهر من حينٍ لآخر. كما نجد تخليدًا لفنون أحواش والروايس، في الاحتفاء بالأرض والطبيعة، وفي اقتضاب العبارات وكثافتها، وفي بعض المونولوغات الشبيهة بمواويل جبال الأطلس الخالدة.
والطابع الݣناوي واضحٌ للغاية في النصوص التي تعتمد الموسيقى كقوّةٍ فاعلة. فقصة «الساعة الثانية بعد منتصف الليل» تمارس تكرارًا/ترجيعًا يُحدِث أثرًا مشابهًا «للحضرة الݣناويّة»، وتبلغ هذه الحضرة ذروتها مع قصّة «كونشيرتو فيفالدي الأخير» التي تدخل فيها الشخصيّة الرئيسيّة حالةَ تماهٍ مع الكون، كأنَّه في حالة «جَذبة» كناويّة.
في فنونِ الارتجال، هناكَ انضباطٌ خفيّ؛ هل كانت كتابةُ مجموعتكَ المتوجةِ خضوعا لمخططٍ هندسيٍّ مسبق، أم هي فيضٌ وجدانيٌّ ارتجلتهُ لحظةُ الكتابةِ مع الحفاظِ على انسجامِ العمل؟
الكتابة عندي ارتجالٌ منضبطٌ لا يُقدِّس المخطَّط. «سيرة الغرق» كانت نتاج عزلةٍ دامت لشهورٍ قبل قرابة ثلاث سنوات. بدأ الأمر كارتجالٍ تحكمه حالاتٌ شعوريّةٌ وفكريّةٌ مختلفة، فكرةٌ مركزيّة، توتُّرٌ أوّليّ… انتهى بنصوصٍ أو «أجنّة نصوص» ظلّت حبيسةَ الدرج وحبيسةَ مخيّلتي لشهورٍ طويلة، أُقلِّبها هنا وهناك على أوجهها الكائنة والمحتملة.
إلى أن جاء وقت المراجعة، حيث يظهر الانضباط الحقيقي: حذفٌ، إعادةُ ترتيب، تغييرُ كلمة، تكثيف/تمديد للإيقاع. أي إعادةُ كتابةٍ شاملة تحوم حول نصٍّ–بذرةٍ واحد، قد تمتدُّ لعشر مرّات لكلِّ نصٍّ على حدة. أبدأ بفوضى منظَّمة لأصل إلى حالة توازنٍ تُحقِّق لي الحدَّ الأدنى من الرِّضا.
بعد احتفائك بـسيرة الغرق في الشارقة، ما هو المقطعُ الختاميُّ الذي تودُّ أن تنهي بهِ هذا الحوار، ليكونَ بمثابةِ افتتاحية لمشروعكَ الروائي أو القصصي القادم؟
إنَّ الغرقَ ليس نهايةً، بل هو اكتشافٌ لعمقٍ لم تَصِلْه الشَّمسُ من قبل. إذا كانت «سيرة الغرق» قد أرَّخت لغوص الرُّوح، فإنَّ مشروعي القادم سيبحث عمّا تفعله هذه الرُّوح هناك في القاع، حيث الصَّمتُ لغةٌ، والظُّلمةُ ضياءٌ بديل. لن أُغادِر الماء، بل سأبحث عن سُبُلٍ لتعلُّم التَّنفُّس في الأعماق داخله.
بين صخبِ الكلماتِ وصمتِ القعر، طوّف بنا المبدع بدر أسوكا في عوالمه التي تغوصُ عميقا في "سيرة الغرق" لتستخرج لآلئ المعنى من لُجّة الذاكرة والجسد والغياب. لقد أثبت لنا في هذا المحراب أن السرد هو "كونشيرتو" وجودي يعزف أوجاع الإنسان بآلاتٍ مغربيةٍ أصيلة.
نشكرُ ضيفنا المتوج بالضياء على هذا البوح الشفيف، ونبقى في انتظار مشروعه القادم حيث سنلتقي به مجددا لنتعلم معه كيف يتنفسُ المبدعُ في أقصى الأعماق.
