الكاتب المجهول (صفحة من دفاتر الذكرى) | وسام عمروس

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

-         ماذا؟  أتريد صورتي؟

-         وما حاجتي بها؟ هههه خذ يا أديب، بلل حنجرتك المتنمرة بهذا.

-         يا سلام، شاي منعنع، وليل هادئ، وحقل سخيّ، وصديق ظريف، ما أجملك يا حظي، الله يعطيك الصحة يا بشير.

-         بالصحة! أخبرني يا صديق، انتظر لحظة لأبعد هذا القنديل هكذا، كي لا نحترق ونزيد حياتنا بؤسا على بؤس، ها أين وصلت روايتك؟

-         مازالت متشردة كصاحبها، تنتظر ناشرا حنونا ليتبناها.

-         خير خير إن شاء الله..

-         إن شاء الله.

-         ماذا عنها؟

-         ماذا عن من؟

-         سيدة قصائدك القديمة.

-         ما بالها؟

-         ألم تعودا للكلام؟

-         لا لم نعودا للكلام ههههههه

-         ههههه بالله عليك كيف سيستحملك الناشر الحنون بأخطائك النحوية هاته؟ هههه

-         سيستحمل لا تقلق، لن يترك أديبا نادرا مثلي من أجل مشاغبة لغوية.

-         بكل تأكيد! تبّا ما بال هذه السجائر رديئة! أمازلت منقطعا عن التدخين؟

-         ما زلت أجل.

-         ومازلت منقطعا عن الكتابة لها؟ أقصد سيدة القصائد لا السجائر هههه

ساد صمت مهيب للحظات.. لم يخدشه سوى صوت رشفات شاي متباعدة وبعض صراصير الصيف المنتشرة بالحقل..

وضعت كأسي بجانب علبة السجائر وعيني تسترق النظر لشروده.. تبا للأسئلة المتطفلة في غير وقتها!

رفعت عيني باحثا عن نظراته المتجمدة، كان هادئا، تائها في دروب السماء.

سحقا، ظننته قد شفي منها..

 

حاولت البحث عن كلمات منجدة لإعادة الحديث إلى مجراه الطبيعي، لكنني لم أجد منها الكثير.. لم يكن الاعتذار لينصف وخزة قلبه.

استجمعت شجاعتي لكسر الحزن؛ ثم نطقت متلعثما؛

-         أنا..أعتذر.. إن كنت.. قد..

-         لا عليك يا صديق، لا تعتذر… وضع كأسه بجانب كأسي ثم نفض يديه قبل أن يكمل بنبرة تحاول التماسك

-         لا لم أعد أكتب لها..

واصل الصمت هبوطه كضباب أبيض يغطي مكان جلوسنا. سأم صديقي من هروبه بين متاهات الذكريات فتمدد على ظهره واضعا يديه خلف رأسه. لم تمر بضع ثوان قبل أن يكمل جوابه.

-         دخلت حسابها منذ أيام..

حركت رأسي موافقا لا أدري على ماذا لكنني ذكرت نفسي بالتزام السكوت كي لا أفزع فضفضته النادرة الظهور..

-         لقد أصبحت من المشاهير، متابعون وصور وندوات.. نشرت إحدى قصائدي.. وقعتها باسم الكاتب المجهول.. قالت بأنها رسالة من أحد المعجبين..

التفت إليه، كان مبتسما، مغمض العينين، يحاول ابتلاع كل تنهيداته بحرفية، لم أكن لألحظها لولا انعكاس ضوء القمر على حنجرته وهي تتحرك.

-         طلبت من متابعيها مساعدتها على العثور عليه.. أو أن يراسلها الشخص الذي كتبها، كي تدعمه وتدعوه إلى حفل توقيع كتابها الجديد.. نسيت أسلوبي يا بشير تصور ؟ ههههه

فتح عينيه وطعن بنظرتهما صدر السماء. استسلم للصمت من جديد، ذابت ضحكته بهدوء كما بدأت، لمحت دمعة وحيدة تسيل على خده.

ارتعشت أنفاسه محاولة الاختباء عند شفتيه، قبل أن تنفلت منها بحّة خفيفة...

-         نَسِيَت أسلُوبي.. يا بشير..

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates