زئير تيليلا | إكرام اباحنيني

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

خبطة مزعجة كسرت ذلك الهدوء الفجري، وأي هدوء كهدوء الفجر وكأن الطبيعة تقسم ألا تتفوه ببنت شفة، تاركة نفسها تنعم بتلك اللوحة الفنية الربانية، حيث تتدلى أشعة الشمس الذهبية الأولى بغنج على السماء ذات اللون الأزرق الليلي، تداعبها باستحياء وخجل فتستقبلها السماء بعناق طويل، فيطلّا على الأرض بزي ذو ألوان مزركشة مريحة من أزرق سماوي، وردي والباستيل البرتقالي، فتظهر الأرض إعجابها الشديد حيث تبدأ زهور النرجس والتوليب في التفتح مزينة البرية بأحلى حلة في صورة مغرية للنحل الذي لايقاوم رحيقها، فيمتصّه لينتج عسلاً يفتح الشهية. ولاتكتمل هذه اللوحة الإلهية إلا بتغريد وزقزقة الشحرور: صوت مطرب يشجع المرء على التضحية بفراشه الدافئ فداءً لهذه الرنة البيولوجية الأحسن من ألف منبه.

هكذا الحياة في قرية "تاحينوست" قرية صغيرة منعزلة تطلّ بخجل من جبال الأطلس كأنها تود استكشاف ماوراء تلك الجبال لكنها مذعورة من ذلك المجهول الذي وصل إلى مسامعها أنه مخيف وصعب.

خبطة ثانية أقوى من الأولى يبدو أنها أزعجت قطًّا أصهب اللون كان مستلقيا بسكينة على بطنه، يحرك ذيله يمينا شمالاً حتى أخرجته تلك الخبطة من خلوته هذه. قفز متأهبًا لخدش وجه هذا المتطفل صاحب الصوت لكن ما إن استقرت مقلتيه البندقيتين عليها، هرع إليها يداعب برؤيسه قدماها ويدور حولها فرحا وهو يموء.

- حسنا، حسنا صباح الخير ميرو!

قالتها تيليلا وهي حذرة ! "ابتعد قليلا عزيزي لكي لا أدوس عليك فأنا مُتْعَبَةٌ من حمل هذا الدلو الحديدي الثقيل بالماء!"

هز القط رأسه كأنه فهم صاحبته، تمركز نظره لهنيهة فوق الدلو كأنه يعاتبه لإتعابه صاحبته !

وضعت تيليلا ذلك الدلو في مكان يحجبه عن أشعة، حتى يحتفظ ببرودته المنعشة، اتخذت وضعية القرفصاء ومدت يدها البيضاء التي برزت عليها خدوش حمراء بفعل حملها لذلك الثقل، تمسح بها على فرو ميرو الذي استكان لها :

-  أرأيت ميرو كيف تفتحت الأزهار في المرعى! اليوم أول أيام فصل الربيع وقد تلونت القرية وتعطرت الأرجاء بأطيب روائح الزهور!

تغيرت نبرتها للحزن مضيفة: مجددًا وككل صباح أغادر المنزل باكرًا مع بنات القرية كي نجلب الماء من البئر البعيد، تعبت من هذه التراجيديا ميرو ! لازلت لم أُشْفَ من خبر موت زينب السنة الماضية بعد أن سبقتنا المسكينة للبئر ونهشت كلاب البرية جسدها، لم تتحمل زينب السم و الآلام فسلمت روحها لبارئها.

شعرت تيليلا بغصة بكاء متجمعة في حلقها قاومتها بصعوبة ثم نهضت واتجهت صوب كيس الطحين والقمح لتملأ الوعاء بالقدر الكافي الذي تحتاجه لتعد الرغيف من أجل الإفطار قبل أن يستيقظ عمها وجدها.

بدأت تدلك العجين بعصبية لم تستطع إخفاءها توقفت لهنيهة لتعدل من طرحتها الأمازيغية الحمراء التي تتخللها ورود خضراء وهي تقول:

-  عمي لن يسمح لي بمتابعة الدراسة ، وأنا مصممة على قراري، القرية بحاجة ماسة للكهرباء والمياه الصحية أكثر من أي وقت مضى، نتجمد بردا صباحَ مساءٍ في ليالي الشتاء القارصِ زمهريرُها، وفوق كل هذا مُرغمون أن نسافر كيلومترات حتى نجلب الماء!.  إلى متى؟ إلى متى..... توفيت زينب بسبب هجوم الكلاب عليها خلال رحلة البحث عن قطرة تروي الظمأ وتطفأ العطش، كانت المسكينة طموحة، تخبرني دوما أنها تحلم أن تتابع دراستها في المدينة وتصبح مهندسة كهرباء من أجل أن تساعد أهل هذه القرية المعزولة في إدخال نظام شبكة توزيع الكهرباء، لكن من يسمعها؟! ومن يستجيب؟! لايتركوننا أن نتابع دراستنا بحجة أن المدينة عار وستتلطخ سمعتهم إن تركونا ندرس ونتمتع بحق التعليم.

أنهت تيليلا  تحضير الرغيف الشهي، رغم أن مزاجها لم يكن رائقا لكنها شجعت نفسها أنها ستفتح مجددًا الموضوع مع عمها أثناء الإفطار!

تجمع أفراد الأسرة حول طاولة دائرية الشكل انزوى تحتها روميو بأدب ، مدت تيليلا كأس الشاي المنسم بالنعناع إلى عمها، رمقته بأدب وشجاعة في نفس الوقت، لاتنكر أن داخلها كان يهتز هلعًا من الإجابة التي كانت تعرفُها لكن من أجل أن تفك نفسها من قيود الجهل، ستحاول حتى ولو للمرة المليار.

-  عمي أريد أن أتابع دراستي؟

-  أ تتعمدين  أن تعكري صفوَ مزاجي بسؤالك هذا ككل مرة؟ انسي موضوع الدراسة بصفة نهائية، ما الذي تحتاجينه بالله عليك؟ تأكلين؟ تشربين؟ تنامين في فراش دافئ؟ احمدي الله و اخرسي.

-  الحمد لله عمي، لكن طلب العل...

قاطعها عمها لينهال عليها بوابلٍ من الشتائمِ حتى أنه استدعى والدتها.

-  صفيّة، صفيّة !

دخلت صفية وهي أم تيليلا ! امرأة أرملة توفي زوجها بحادث سير أليم وتركها حبلى بطفلتها لتنتقل للعيش مع عائلة زوجها.

-  نعم سيدي عبد القادر! أهناك خطبٌ ما؟

رمقها عبد القادر، وهو رجلٌ في منتصف الستينيات، حادّ الطبع، يؤمن أن المرأة يجبُ ألا تتخطّى قدمُها عتبة المنزل إلا في حالتين : بيت زوجها أو القبر.

-  أصغي إلي جيدًا، أعيدي برمجة عقل تيليلا كي لا أبرمجه أنا وتعلمين جيدا برمجتي! أخبريها أن تنس موضوع الدراسة تمامًا وتنتظر نصيبها كبناتي وكجل بنات القرية، هكذا العرف وهكذا التقاليد. مفهوم ؟

لم تجرؤ صفية المسكينة حتى أن تتنهد بحرقة على ابنتها أمامه، اكتفت بطأطأة رأسها ثم غادرت الغرفة لتلحق ابنتها التي غادرت قبلها، لأنها لم تتحمل قسوة عمها أكثر.  تحجّرت الدموع في عيني صفية، هي لاتنكر أنها تريد أن تصبح ابنتها متعلمة، وتخرج من سراديب الجهل لنور العلم، لكن تخشى أن يصيبها مكروه من عمها المتسلط.

دلفت سريعًا إلى غرفة ابنتها أغلقت الباب بلطف لكن ما إن وقعت عيناها على تيليلا حتى تسمرت في مكانها وكادت تشهق فزعا عندما رأت ابنتها ملثمتة برداء أسود، فوق ظهرها حقيبتها الوردية وفي يدها حقيبة سفر صغيرة أكل عليها الدهر وشرب، كانت تحمل أيضا طموحها، هدفها، يقينُها في الله تعالى وبأنه لن يُخيِّبَ رجاءَها وستصل إلى مرادها بفضله، هي لاتريد المستحيل، هي تريد فقط أن ترتوي من كأس العلم حتى تتشبعَ روحها معرفة ستعينها للعودة للقرية ومساعدة أهلها الذين غطت عليهم ظلال الجهل لسنين طويلة.

نطقت صفية لتتأكد فقط، أما ماتنوي ابنتها الإقدام عليه واضح لها.

-  تيليلا!.... أرجوك بنيتي سنجد حلا آخر وسنحاول إقناعه أنا وأنت، ليست هكذا تنال الرغبات.

-  أمي سأغادر وسأرفع رأسك وسأتمم دراستي بحول الله وقوته سأكون الحبر الأسود الذي سيحكي قصة نجاة هذه القرية من سبات الجهل والضلال في ورقة أنهكها بياضها الساذج، سأعود ويحل معي الدفئ ،ستنار طرقات تاحينوست بالكهرباء، ستسمع زغاريد النساء والفتيات فرحا بانتهاء عصر مشقة السفر لجلب الماء إن شاء الله.

نزلت دموع الفخر والاشتياق من عيني صفية، تعلم أن عبد القادر لن يمرر الأمر مرور الكرام لكن ستتحمل من أجل أن ترى ابنتها متعلمة إن شاء الله. قالت بعدما مسحت الدموع بكم لباسها :

-  اتق الله ولاتهملي صلاتك أبدا، انهمرت الدموع من مقلتيها، قلب الأم لايقوى على فراق أبنائه لكن لاتستطيع أن تمنع ابنتها من التعلم، لاتستطيع أن تقف أمام عزيمة تيليلا ورغبتها الجامحة في الدراسة.

اتجهت نحو دولاب خشبي عجوز، أخذت منه رزمة وقالت :تفضلي هذه الخرزات، قومي ببيعها وهذا رقم خالتك في المدينة زوريها وستساعدك إن شاء الله.

تسللت تيليلا بعدما عانقت أمها عناقا حارا، تعلم أن الهرب سيجر عليها الويلات والإشاعات لكن ستتحمل من أجل تحقيق حلمها البريئ إن شاء الله.

بعد مرور عشر سنوات

-  أسرع .... أسرع يجب علينا أن نقيس نسبة السكر في دمه، يبدو أنه مصاب بغيبوية سكر!

قالت بصوت مخنوق بالبكاء ويدين مرتجفتین تكاد تخونها قدماها فتسقط خوفا على زوجها : من فضلك سيدي ماذا حل بزوجي؟

-  لا تخافي سيدتي، فقط نزول ملحوظ في نسبة السكر في دمه أدّى إلى فقدان وعيه. سترافقه الممرضة من أجل إمداد جسمه بالسكر حتى يستعيد وعيه، وبمجرد أن يستفيق ستأتي الطبيبة لإجراء الفحوصات اللازمة.

قاطعته الممرضة قائلة بنبرة تفائلية: لقد استفاق المريض، الحمد لله

-  طيب سأنادي الطبيبة فورا ورافقي زوجة المريض حتى تتمكن من زيارته ريتما تصل الطبيبة لمعاينته.

دلفت إلى غرفته وهي تعدل من خصلاتها التي فرت فضولا من جانبي طرحتها، قالت بلهفة واضحة وهي تمسك يده الـمُتَرهِّلة جلدها تعبًا بين خاصتيها الأصغر حجما لكن بنفس القدر من التعب: عبد القادر كيف حالك الآن؟

نظر إليها بعينين مطفي بريقهما، خرجت الكلمات بثقل شديد من شفتيه المتشققتين: الحمد لله.

-  الحمد لله أن حالتك هذه تزامنت وقدوم هذه القافلة الطبية لأول مرة، إنها معجزة المنّان وإلا لن نجد من سيوصلنا لمستشفى المدينة في هذا الصباح الباكر.

قاطعها صوت الممرض وهو يقول : الطبيبة قادمة !

ابتعدت لتسمح للطبيبة بفحصه، رفع رأسه قليلا وهو يتمتم بصعوبة: ساعديني لأعدل من جلستي كي يتسنى للطبيبة...!

بترت الصدمة كلمته وهو ينظر للماثلة أمامه بوزرتها الطبية الناصع بياضها والسماعة الطبية تحيط عنقها بثبات:

-  تي.. تيليلا، أدار وجهه بذهول صوب زوجته التي لم تكن أقل اندهاشا منه، أفاقا الاثنان على إثر كلماتها الرصيفة عندما قالت : عمي الغالي علي أن أقوم ببعض الفحوصات حتى أتأكد من سلامتك.

لكن مهلا ! يبدو أن تيليلا أو بالأحرى الطبيبة تيليلا لم يظهر عليها أثر الصدمة، طبعا فهي من خططت بكل دقة من أجل زيارة هذه القافلة الطبية لقريتها وأصرت أن تكون ضمن الفريق، هي غادرت القرية اليوم الأول وهي تحمل على عاتقها وعد النجاح وأقسمت أن لا تعود إلا وهي ناجحة.

-  تيليلا ، بنيتي أصبحت طبيبة!

-  نعم، عمي، أصبحت طبيبة

رمقها العم بفخر ممزوج بالانزعاج منها لهروبها الذي لم تستطع أمها إخفاءه حيث أنها انفجرت غاضبة ذات يوم في وجهه بعدما سمّمها بكلماته:

"بسببكَ فرّت ابنتي هاربة للمدينة حتى تتابع دراستها وتغدو متعلمة، هربت وكأنها تريد اقتراف جرم ولكنها فقط كانت ترغب في التعلم حتى تنقذنا من وحل الجهل الذي غرقنا فيه لسنين طويلة."

تذكر يومها كيف أقسم في وجه أمها أنها لن تدخل البيت مجدّدًا... أخرجته من شروده وهي تقبل يده بحركة مفاجئة، ثم قالت بكل روح متسامحة لأنها فهمت جيّدًا ما يدور في خُلدِه : لابأس عمي!

تيليلا حنونة تعلم أن عمها ليس شخصًا سيئًا، لكن قوة الجهل كانت سلطانا عليه، هي علمت منذ البداية أنها لا تحارب عمها بل تحارب فكرا شنيعا فُرِض عليها وعليهم وعليهن في القرية بدافع الخوف على السمعة.

منظر مؤثر انقسم شاهدوه بين مصدوم و متأثر و مفتخر، أسندت تيليلا عمها على كتفها وأمسكت زوجته بيده اليسرى انتبهت لفتيات يحملقن فيها بعينين دامعتين: أليست هذه تيليلا ؟ إنها ترتدي زي الأطباء. لقد أضحت طبيبة!

توسّعت عيناها فرحًا عندما رمقت أمها، صفية المسكينة تهرول نحوهم لدرجة أنها نسيت ارتداء نعلَيـهـا جرّاء الصدمة والفرح: تیلیلااا!!!

-  أمييييي!

ابتعد عمّها عنها بهدوء فاسحًا المجال لأمها التي افتقدتها كثيرًا ، تعانقا عناقا حارّا مختلطا بدموع الفرح والإشتياق الرهيب، تعالت الزغاريد في القرية واقترب الكل يبارك لتيليلا عودتها وهي حاملة مِشعل العلم الذي سيضيء أخيرًا دَيجُور تاحينوست.

قبلت تبليلا رأس أمها وعمها ثم خاطبت أهل تاحینوست بصوت جوهري :

-  أهلي وأحبابي، عدت اليوم بعد مرور عشر سنوات هربت والهروب ليس سهلا، علمت أن الشائعات ستقسم ظهر عائلتي قهرا لكنني أيقنت أن الهروب هو الوسيلة الوحيدة كي أتحرّر ، عفوا ! كي نتحرر من سلطان الجهل الذي استعمرنا لسنين طويلة... عدت اليوم وأنا منتصرة على الفكرة القائلة بأن الفتاة لا يحق لها أن تتعلم، أقول لكم أنني بفضل الله ومنته علي: صنت نفسي وتعلمت وكنت مثالا حيا للفتاة المسلمة الخلوقة المتعلمة، درست وأنا أحمل في قلبي حب قريتي وبين عيني هدفي ورسالتي، واليوم أعلمكم أنه بفضل الله وقوته ستبنى مدرستين في تاحينوست حتى يتعلم أبناءها وبناتها كما سيتم إيصال القرية بشبكة الكهرباء والمياه الصالحة للشرب. سنذيب جليد الجهل معًا وستدفأ القرية بإنجازاتنا ونجاحاتنا وغدا إن شاء الله ستمتلأ القرية بالأمهات المتعلمات الطبيبات الأستاذات المحاميات والمهندسات المهذبات الخلوقات الرزينات الرصيفات.

تعالت صرخات الأطفال فرحا وهم يهتفون باسمها مكونين دائرة كانت هي مركزها : تيليلا، تيليلا تیلیلا، تیلیلا، بکت تیلیلا فرحًا، فخرًا، وحبًا وهي ترى أهل قريتها تشع أعينهم ابتهاجا بنجاحها وترحيبا بفكرتها:

"تاحينوست في مواجهة الجهل".

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates