رسائل مالحة من ضفة الرباط
لقد كانت جريمتي الكبرى وذنبي الذي لا مغفرة له، أنني أحببت. ترى، كيف يتوب عاشق من ذنب لا مغفرة فيه؟
العزيز حميد، كلما سمعت لفظة حب ارتعشت أوصالي، وخدر مسربل بالنغم وجد طريقه دائما إلى نخاعي الشوكي. الحب، ابن الخرائب والقصور، رب المتناقضات.. لو كان مذاقا، لكان بطعم صلصة الدم الحلوة، لو كان رجلا، لكان بروتس الخائن وهو يغرز الخنجر ويخرج القلب، لكنه يغسله ويعيده إلى مكانه. اعشق يا صديقي من ستسبح بحمدك، هكذا فقط بالحب ستنتصر على الحب.
أعتقد أنك مصيب في نظرتك للحب -كعادتك-، إنه احتدام المعركة وغبارها، وانعدام الرؤية مع سيف تسمعه، ولا تدري في أي لحظة سيقطع رأسك، إنه وجع طويل ومكابدة كبرى، تسكن كل شيء، وتتلبّس كل شيء، أو كما قال درويش: "كل شيء كائنٌ يتوجَّع، يقصدُ يحبّ". ليس عليك وعليك وعلينا جميعا كرجال إلا أن نحارب في جبهتين، جبهة الشارب المفتول والصوت الخشن المتعاظِم عند الحاجة للمزايدة حول أي منا أكثر شرقية، وجبهة المنديل الوردي الذي ليس من رجل منا إلا ويملك واحدا مدسوسا في قلبه، يخرجه في الليل، يشتمّه، ثم يعيده إلى قلبه أو إلى جيب معطفه، ليستحيل قصيدة أو أغنية حزينة أو دمعة.
أتعلّم لِمَ أراسلك؟ لأنني بروح الطفل داخلي، أعتقد من كنيتك أنك تحسب المسافات، هكذا أيها المسافي أتوسل بك المسافات، ليقترب البعيد، وأشعر بحرارته من جديد. هل تعلم كم مرة خلعت فيها معطفي الشتوي ووضعته على كتف ابنة غيم، وعدت مريضا إلى المنزل؟ أرتجف كقصبة وحيدة في مهب ريح شمالية؟ لكن، صدقني، كنت أرتشف حُمّاي كما يرتشف المتصوف خمرة وجده، فالداء مسافة تفصل جسدي عن دفء ذلك المعطف الذي رحل معهن. لقد تركتُ في جيوبه نصف عمري، وبضع قصائد لم أجرؤ على كتابتها بعد، تماما كما تترك الريح أسرارها في ثقوب الناي. نحن يا صديقي نرتدي جلودا خشنة ليواري بعضنا بعضا، ونفتعل الصرامة في ملامحنا كي لا يلمح العابرون المنديل الوردي الذي نكفكف به دمع الوجع عند كل مد راجع. تريد أن تتوب! وسألتني أنا؟ كيف يتوب البحر عن ملوحته، وكيف يعتذر الشجر عن انحنائه للريح؟ أنت تريد مني أن أبرر لك الحب بكل ما أوتيت من أدب.. هكذا ورطتني لأكتب وأكتب وأكتب.
احتراقٌ بارد
ما عدتُ أعرفُ هل دموعيَ مِزقةٌ
من صمتِ روحي.. أم نداءُ حريقِ؟
إني أحبُّكِ.. والمسافةُ بيننا
قُربٌ.. يباعدُ بينَ أيِّ طريقِ!
